أحمد بن محمد المقري التلمساني
82
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
[ رواية أخرى لابن خلدون في خلع ابن الأحمر تتضمن نشأة لسان الدين ونهايته ] وقد كرر ابن خلدون رحمه اللّه تعالى في تاريخه قضية اعتقال لسان الدين وخلع سلطانه في موضع آخر ، ولنذكره وإن سبق بعضه لاشتماله على منشإ الوزير لسان الدين ، وجملة من أحواله إلى قريب من مهلكه فنقول : قال رحمه اللّه تعالى بعد ذكره عبد اللّه والد لسان الدين أنه انتقل من لوشة إلى غرناطة ، واستخدم لملوك بني الأحمر ، واستعمل على مخازن الطعام ، ما محصّله « 1 » : ونشأ ابنه محمد هذا ، يعني لسان الدين بن الخطيب ، بغرناطة ، وقرأ وتأدّب على مشيختها ، واختصّ بصحبة الحكيم المشهور يحيى بن هذيل ، وأخذ عنه العلوم الفلسفية ، وبرز في الطب ، وانتحل الأدب ، وأخذ عن أشياخه ، وامتلأ من حول اللسان نظمه ونثره ، مع انتقاء الجيد منه ، ونبغ في الشعر والترسيل بحيث لا يجارى فيهما ، وامتدح السلطان أبا الحجاج من ملوك بني الأحمر لعصره ، وملأ الدنيا بمدائحه ، وانتشرت في الآفاق ، فرقّاه السلطان إلى خدمته ، وأثبته في ديوان الكتّاب ببابه مرءوسا بأبي الحسن بن الجياب شيخ العدوتين في النظم والنثر وسائر العلوم الأدبية ، وكاتب السلطان بغرناطة من لدن أيام محمد المخلوع من سلفه عندما قتل وزيره محمد بن الحكيم المستبدّ عليه ، فاستبدّ ابن الخطيب برياسة الكتّاب ببابه مثنّاة بالوزارة ولقبه بها ، فاستقلّ بذلك ، وصدرت عنه غرائب من الترسيل في مكاتبات جيرانهم من ملوك العدوة . ثم داخله السلطان في تولية العمال على يده بالمشارطات ، فجمع له بها أموالا ، وبلغ به في المخالصة إلى حيث لم يبلغ بأحد ممّن قبله ، وسفر عنه إلى السلطان أبي عنان ملك بني مرين بالعدوة معزّيا بأبيه السلطان أبي الحسن ، فجلّى في أغراض سفارته . ثم هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة ، عدا عليه بعض الزعانف في سجوده للصلاة ، وطعنه فأشواه ، وفاظ لوقته ، وتعاورت سيوف الموالي المعلوجي هذا القاتل ، فمزّقوه أشلاء . وبويع ابنه محمد لوقته ، وقام بأمره مولاهم رضوان الراسخ القدم في قيادة عساكرهم وكفالة الأصاغر من ملوكهم ، واستبدّ بالدولة ، وأفرد ابن الخطيب بوزارته كما كان لأبيه ، وجعل ابن الخطيب رديفا لرضوان في أمره ، ومشاركا في استبداده معه ، فجرت الدولة على أحسن حال وأقوم طريقة . ثم بعثوا الوزير ابن الخطيب سفيرا إلى السلطان أبي عنان مستمدّين منه على عدوهم الطاغية على عادتهم مع سلفه . فلمّا قدم على
--> - إقدام عمرو في سماحة حاتم * في حلم أحنف في ذكاء إياس فقيل له : ما زدت على أن شبهت الأمير بمن لا وزن له ، فقال بديهة : لا تنكروا ضربي له من دونه * مثلا شرودا في الندى والباس فاللّه قد شرب الأقل لنوره * مثلا من المشكاة والنبراس ( 1 ) انظر تاريخ ابن خلدون ط . دار الفكر ببيروت ج 7 ص 440 .